ابن عبد البر
184
الدرر في اختصار المغازي والسير
وقد قيل إن له صحبة بالنبي صلى اللّه عليه وسلم . ومنهم من قال : يعدنا محمد أن نفتح كنوز كسرى وقيصر ، وأحدنا اليوم لا يأمن على نفسه [ أن ] يذهب إلى الغائط ، وممن قال ذلك معتّب « 1 » بن قشير أحد بنى عمرو بن عوف . وأقام رسول اللّه / صلى اللّه عليه وسلم وأقام المشركون بضعا وعشرين ليلة قريبا من شهر لم يكن بينهم حرب إلا الرّمى بالنّبل والحصا . فلما رأى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أنه اشتد على المسلمين البلاء بعث إلى عيينة بن حصن الفزاري وإلى الحارث بن عوف بن أبي حارثة « 2 » المرّى وهما قائدا غطفان ، فأعطاهما ثلث ثمار المدينة لينصرفا بمن معهما من غطفان و [ أهل ] نجد « 3 » ويرجعا بقومهما عنهم « 4 » . وكانت هذه المقالة مراوضة ولم تكن عقدا . فلما رأى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أنهما قد أنابا « 5 » ورضيا أتى سعد بن معاذ وسعد ابن عبادة فذكر ذلك لهما واستشارهما ، فقالا : يا رسول اللّه هذا أمر تحبه فنصنعه لك ، أو شيء أمرك اللّه به فنسمع له ونطيع ، أو أمر تصنعه لنا ؟ قال : بل أمر أصنعه لكم ، واللّه ما أصنعه إلا لأننى « 6 » قد رأيت العرب قد رمتكم عن قوس واحدة . فقال له سعد بن معاذ : يا رسول اللّه ، واللّه لقد كنا نحن وهؤلاء القوم على الشرك باللّه وعبادة الأوثان لا نعبد اللّه ولا نعرفه وما طمعوا قط أن ينالوا منا ثمرة إلا بشراء أو قرى « 7 » ، فحين أكرمنا اللّه بالإسلام وهدانا له وأعزّنا بك نعطيهم أموالنا ، واللّه لا نعطيهم إلا السيف حتى يحكم اللّه بيننا وبينهم . فسرّ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بذلك ، وقال / لهم : أنتم وذاك . وقال لعيينة والحارث : انصرفا ، فليس لكم عندنا إلا السيف . وتناول الصحيفة « 8 » وليس فيها شهادة فمحاها .
--> ( 1 ) وفيهم نزلت الآية : ( وَإِذْ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ما وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُوراً ) . ( 2 ) في الأصل : الحارث وهو خطأ من الناسخ . ( 3 ) في الأصل زيادة كلمة : قريش . ( 4 ) في ابن هشام : عنه وعن أصحابه . ( 5 ) أناب : رجع وأجاب . ( 6 ) هكذا في ابن هشام وفي الأصل : انني . ( 7 ) القرى : الضيافة . ( 8 ) هي كتاب كان الرسول وعيينة بن حصن والحارث بن عوف قد كتبوه ليكون عقدا بينهم ولكن دون شهادة ، وكأنه كان نسخة للمراجعة .